"إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم" — الشيخ الامام محمد الغزالي

دروس من التاريخ (1) - عمر بن الخطاب و بطلان الاجراءات

ذكرت لنا كتب التاريخ و السير الكثير من مآثر الفاروق عمر بن الخطاب و لكن استوقفتني مؤخرا قصتان مشهورتان ترويا لنا منذ الصغر و لم اتوقف عندهما كثيراً حتى عدت لهما مؤخراً. ان هاتان القصتان عادة ما يقصوا لبيان مدى عدل الفاروق و ورعه و خوفه الشديد من الله  و لكني لاحظت لهما دلالات اخرى اذكرها بعد ان اذكرهما:
  • عن ثور الكندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل ، فسمع لغطاً في بيت ،فوقف على الباب يتجسس فوجد رجل و معه جماعة من اصحابه يشربون الخمر فتسور عليهم و معه سيفه، فلما رأوه قاموا و امسك عمر بصاحب البيت فقال له : "يا عدو اللّه ، أظننت أن اللّه يسترك ، وأنت في معصية ؟" فقال : "وأنت يا أمير المؤمنين ، لا تعجل عليّ إن أكن عصيت اللّه واحدة ، فقد عصيت اللّه في ثلاث ، قال الله تعالى : { وَلاَ تجَسَّسوا } وقد تجسست . وقال { وأتوا البيوت من أَبوابِها } ، وقد تسورت عليّ  ، وقال اللّه تعالى : { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتِكم حتى تَسأنسوا وتسلموا على أهلها } و قد دخلت عليّ بغير إذن" ، قال عمر : "فهل عندك من خير إن عفوت عنك ؟" قال :" نعم" ، فعفا عنه ، وخرج وتركه .
  • عن عبد الرحمن ابن عوف ، أنه حرس مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم ليلة المدينة . فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه . فلما دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط . فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف : "أتدري بيت من هذا ؟ هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن في شرب (أي يعاقر الخمر) فما ترى ؟" قال عبدالرحمن بن عوف : "أرى أن قد أتينا ما نهى اللّه عنه ، قال اللّه : {ولا تَجَسَّسوا } ، فقد تجسسنا" فانصرف عنهم عمر .
 ان هاتان القصتان توضحان الكثير عما يجب ان ننتبه له في ان منهج الاسلام في تطبيق احكامه قائم على اسس لا يختلف عليها اثنان؛ و هذا المنهج لا يختلف عن النظام الديمقراطي الدستوري الذي يعتبر افضل النماذج التي توصلت اليها العلوم السياسية عبر التاريخ لقيادة الجماهير الغفيرة و المجتمعات المركبة. إن للاسلام دستور يرجع اليه قبل تنفيذ اي احكام وهو القرآن الذى يمتلئ بالاحكام المنظمة للمجتمع و حرياته التي تتطابق مع ما جاء في جميع المواثيق و الدساتير التي تحمي حقوق الانسان و تحفظ كرامته. ان عمر بن الخطاب قد امسك بعاصي متلبساً بارتكاب كبيرة و هي شرب الخمر و لكنه ابطل كل ما قام به و لم يقم الحد عليه لأن ما قام به عمر قد خالف قواعد قرآنية تحفظ حرمة البيوت و المنازل و حرية الافراد ؛ ان الله قد أمر الا تجسسوا و ان تدخلوا البيوت من ابوابها و لا تدخل قبل ان يؤذن لك و هذه القواعد لم ينتبه لها عمر نظرا لطبيعته الغيورة الشديدة في الحق و لولا ان نبهه العاصي في القصة الاولى و عبدالرحمن بن عوف في القصة الثانية لخالف عمر هذه القواعد الشاملة القرآنية و اهدر حرمات حفظها الله. المهم هنا هو ان تقوى عمر و خشيته لله جعلته يلتزم بما هو اشمل و اعم من ان تأخذه الحمية لتطبيق الحد في واقعة و يدمر معها انجازات الاسلام في الرقي بالانسان و الحفاظ على كرامته و لكن ليس كل الناس كعمر و ليس كل الناصحين كعبدالرحمن بن عوف فما الحل؟

 توصلت القوانين الوضعية بعد قرون من زمن عمر الى الوسيلة التي تضمن تطبيق العدالة دون المساس بالحريات العامة و الخاصة و ذلك في صورة الدستور الذي هو فوق القوانين و تُرَّاجْع القوانين بمدى مطابقتها لهذا الدستور و ثم هناك قانون الإجراءات الجنائية الذي يوضح كيفية التعامل مع الجرائم بما يحقق العدالة و دون الاخلال بالحقوق و الحريات ، فلا يجوز مراقبة الاشخاص و التنصت عليهم بدون أذن قضائي و الذي سيصدر في حال توافر الادلة و القرائن التي يطمئن لها ممثل النيابة  و كذلك لا يجوز ان تقتحم البيوت دون أذن قضائي يُعلم به أهل المنزل قبل ان يتم تفتيشه و غيرها من الاجراءات التي تضمن تحقيق اكبر قدر من العدالة بغض النظر عن توجهات منفذ القانون و هواه الشخصي.

ان عمر بن الخطاب قد تميز بالعبقرية في فهم لب التشريع الاسلامي؛ هذه العبقرية التى تنبأ بها الرسول صلى الله عليه و سلم في حديثه عن رؤية رأها بالمنام لعمررضي الله عنه و هو يتولى شئون المسلمين :"لم أر عبقرياً من الناس يفري فريه" و يفري تعني يصنع اي ان عمر عبقري منفرد في عمله فلا يقدر أحد علي أن يصنع مثل صنيعه، و فعلا فقد قصر حكام المسلمين من بعده من ان يقيموا العدل الا لشذرات قليلة تومض لبرهة قليلة في التاريخ ثم تخمد مثل "عمر بن عبدالعزيز" الذي مع عدله لم يكمل ثلاث سنوات من الحكم و عاد الناس من بعده الى سيرتهم الاولى. ان الضامن الوحيد لتحقيق العدالة القرآنية يكمن في وضعها في نظام محكم يضمن تطبيقها بغض النظر عن الافراد القائمين عليها عن طريق صياغات قانونية تطبق النص القرآني و تجعله واضح جلى مع آليات للمتابعة في التنفيذ تضمن التطبيق و تحاصر المخطئ سواء كان مجرم او منفذ للقانون متجاوز في حقوق الناس.و لا يمنع ذلك ان تكون هذه الصياغات هي الدستور و القانون الذان سيطبقان على الجميع في اطار دولة القانون التي تحترم كل مواطنيها و تحافظ على حرياتهم و  عندئذ لن يهمنا "من سيحكم" لأننا سنكون قد ضمنا "كيف سنُحْكَم".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قال عمر المختار:

انني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الايمان اقوى من كل سلاح.