ذكرت لنا كتب التاريخ و السير الكثير من مآثر الفاروق عمر بن الخطاب و لكن استوقفتني مؤخرا قصتان مشهورتان ترويا لنا منذ الصغر و لم اتوقف عندهما كثيراً حتى عدت لهما مؤخراً. ان هاتان القصتان عادة ما يقصوا لبيان مدى عدل الفاروق و ورعه و خوفه الشديد من الله و لكني لاحظت لهما دلالات اخرى اذكرها بعد ان اذكرهما:
- عن ثور الكندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل ، فسمع لغطاً في بيت ،فوقف على الباب يتجسس فوجد رجل و معه جماعة من اصحابه يشربون الخمر فتسور عليهم و معه سيفه، فلما رأوه قاموا و امسك عمر بصاحب البيت فقال له : "يا عدو اللّه ، أظننت أن اللّه يسترك ، وأنت في معصية ؟" فقال : "وأنت يا أمير المؤمنين ، لا تعجل عليّ إن أكن عصيت اللّه واحدة ، فقد عصيت اللّه في ثلاث ، قال الله تعالى : { وَلاَ تجَسَّسوا } وقد تجسست . وقال { وأتوا البيوت من أَبوابِها } ، وقد تسورت عليّ ، وقال اللّه تعالى : { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتِكم حتى تَسأنسوا وتسلموا على أهلها } و قد دخلت عليّ بغير إذن" ، قال عمر : "فهل عندك من خير إن عفوت عنك ؟" قال :" نعم" ، فعفا عنه ، وخرج وتركه .
- عن عبد الرحمن ابن عوف ، أنه حرس مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم ليلة المدينة . فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه . فلما دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط . فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف : "أتدري بيت من هذا ؟ هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن في شرب (أي يعاقر الخمر) فما ترى ؟" قال عبدالرحمن بن عوف : "أرى أن قد أتينا ما نهى اللّه عنه ، قال اللّه : {ولا تَجَسَّسوا } ، فقد تجسسنا" فانصرف عنهم عمر .
ان هاتان القصتان توضحان الكثير عما يجب ان ننتبه له في ان منهج الاسلام في تطبيق احكامه قائم على اسس لا يختلف عليها اثنان؛ و هذا المنهج لا يختلف عن النظام الديمقراطي الدستوري الذي يعتبر افضل النماذج التي توصلت اليها العلوم السياسية عبر التاريخ لقيادة الجماهير الغفيرة و المجتمعات المركبة. إن للاسلام دستور يرجع اليه قبل تنفيذ اي احكام وهو القرآن الذى يمتلئ بالاحكام المنظمة للمجتمع و حرياته التي تتطابق مع ما جاء في جميع المواثيق و الدساتير التي تحمي حقوق الانسان و تحفظ كرامته. ان عمر بن الخطاب قد امسك بعاصي متلبساً بارتكاب كبيرة و هي شرب الخمر و لكنه ابطل كل ما قام به و لم يقم الحد عليه لأن ما قام به عمر قد خالف قواعد قرآنية تحفظ حرمة البيوت و المنازل و حرية الافراد ؛ ان الله قد أمر الا تجسسوا و ان تدخلوا البيوت من ابوابها و لا تدخل قبل ان يؤذن لك و هذه القواعد لم ينتبه لها عمر نظرا لطبيعته الغيورة الشديدة في الحق و لولا ان نبهه العاصي في القصة الاولى و عبدالرحمن بن عوف في القصة الثانية لخالف عمر هذه القواعد الشاملة القرآنية و اهدر حرمات حفظها الله. المهم هنا هو ان تقوى عمر و خشيته لله جعلته يلتزم بما هو اشمل و اعم من ان تأخذه الحمية لتطبيق الحد في واقعة و يدمر معها انجازات الاسلام في الرقي بالانسان و الحفاظ على كرامته و لكن ليس كل الناس كعمر و ليس كل الناصحين كعبدالرحمن بن عوف فما الحل؟
توصلت القوانين الوضعية بعد قرون من زمن عمر الى الوسيلة التي تضمن تطبيق العدالة دون المساس بالحريات العامة و الخاصة و ذلك في صورة الدستور الذي هو فوق القوانين و تُرَّاجْع القوانين بمدى مطابقتها لهذا الدستور و ثم هناك قانون الإجراءات الجنائية الذي يوضح كيفية التعامل مع الجرائم بما يحقق العدالة و دون الاخلال بالحقوق و الحريات ، فلا يجوز مراقبة الاشخاص و التنصت عليهم بدون أذن قضائي و الذي سيصدر في حال توافر الادلة و القرائن التي يطمئن لها ممثل النيابة و كذلك لا يجوز ان تقتحم البيوت دون أذن قضائي يُعلم به أهل المنزل قبل ان يتم تفتيشه و غيرها من الاجراءات التي تضمن تحقيق اكبر قدر من العدالة بغض النظر عن توجهات منفذ القانون و هواه الشخصي.
ان عمر بن الخطاب قد تميز بالعبقرية في فهم لب التشريع الاسلامي؛ هذه العبقرية التى تنبأ بها الرسول صلى الله عليه و سلم في حديثه عن رؤية رأها بالمنام لعمر و هو يتولى شئون المسلمين :"لم أر عبقرياً من الناس يفري فريه"
توصلت القوانين الوضعية بعد قرون من زمن عمر الى الوسيلة التي تضمن تطبيق العدالة دون المساس بالحريات العامة و الخاصة و ذلك في صورة الدستور الذي هو فوق القوانين و تُرَّاجْع القوانين بمدى مطابقتها لهذا الدستور و ثم هناك قانون الإجراءات الجنائية الذي يوضح كيفية التعامل مع الجرائم بما يحقق العدالة و دون الاخلال بالحقوق و الحريات ، فلا يجوز مراقبة الاشخاص و التنصت عليهم بدون أذن قضائي و الذي سيصدر في حال توافر الادلة و القرائن التي يطمئن لها ممثل النيابة و كذلك لا يجوز ان تقتحم البيوت دون أذن قضائي يُعلم به أهل المنزل قبل ان يتم تفتيشه و غيرها من الاجراءات التي تضمن تحقيق اكبر قدر من العدالة بغض النظر عن توجهات منفذ القانون و هواه الشخصي.
ان عمر بن الخطاب قد تميز بالعبقرية في فهم لب التشريع الاسلامي؛ هذه العبقرية التى تنبأ بها الرسول صلى الله عليه و سلم في حديثه عن رؤية رأها بالمنام لعمر و هو يتولى شئون المسلمين :"لم أر عبقرياً من الناس يفري فريه"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق