"إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم" — الشيخ الامام محمد الغزالي

وهم الانتصار الزائف


انها ليلة الاحد 20 مارس 2011 ولم تظهر نتيجة الاستفتاء بعد و مع ذلك بدأت بوادر الاحتفال و استعراض القوة على الفيسبوك من جهة من يظنون ان "نعم" في صالحهم مع الاعلان عن مؤشرات الموافقة على التعديلات الدستورية بنسب عالية تصل الى 75%. مقابل ذلك انتشرت التعليقات المحبطة و الخائفة و الغاضبة في آن واحد من هذه النتيجة التي لن تجلب الا الخراب من وجهة نظر فريق "لا" الذي يعتقد ان "نعم" في مصلحة التيار الديني الذي سيدمر الحياة و يضطهد الاقباط و يجعلنا نترحم على ايام النظام السابق بكل مساؤها, او يعتقد ان "نعم" بها التفاف على الثورة لا يجب السماح به. في رأيي ان كلا من الفريقين مخطئ و جانبه الصواب , فانا ارى ان "نعم" مثل "لا" كلاهما خير و الفرق بينهما هو فارق اجرائي لا اكثر.



لقد انبري مؤيدوا الاخوان المسلمين و السلفيون يتباهون على الفيسبوك بقدرتهم على حشد الشارع و تحريك الجماهير و بانتصارهم الاول على القوى التي سوف تخرب الدين (وهذا من تعليقات حقيقية على شبكة رصد و الصفحات الاخرى) بل و يباهون بانتصارهم عن طريق الديموقراطية على كبار دعاتها من العلمانيين و الليبراليين؛ و هذا في رأيي - و عن قناعة و مشاهدة - انتصار زائف ؛لأن من اعطى صوته ب"نعم" لا يخرج عن احدى الفصائل التالية:
• الفصائل المسيسة: اى من ينتمون لتيار سياسي (و ليس ديني) واضح وهم الاخوان المسلمون و بقايا الحزب الوطني و احزاب اخرى تحت التأسيس مثل حزبي الوسط و الاصلاح و التنمية. الاخوان و الوطني يرون ان بقاء النظام الحالي في الانتخاب هو في مصلحتهم لقدرتهم على التعامل معه و تحقيق المكاسب منه في الفترة الحالية و فرصة السيطرة على آلية صياغة الدستور القادم عن طريق مجلسي الشعب و الشورى القادمينز وآخرون مثل حزبي الوسط و الاصلاح و التنمية يرون ان نعم في مصلحة البلاد لعودة الاستقرار سريعا و عودة الجيش لثكناته. و هذه الفصائل لهم كل الحق في ان يصوتوا بما يرون و لكنهم ليسوا بالكثرة او القدرة التي يشيعونها و نسبتهم في الاغلب لا تزيد عن30 % من المصوتين ب"نعم" بأي حال من الاحوال.
• الفصائل غير المسيسة: و هذه تمثل السواد الاعظم (70%) ممن قرر ان يصوت ب"نعم" من خلال وجهات نظر مختلفة و معظمها تعكس مطالب فئوية او دينية و ليست سياسية. جزء من شباب الثورة أيد التعديلات من باب الدعوة للاستقرار و لوضوح الرؤية بعد "نعم" عن "لا". العديد من اليساريين و العمال ايدوا "نعم" لكونها تحافظ على نسبة العمال و الفلاحين 50% بمجلس الشعب. المطالب الفئوية تمثلت في قطاعات كبيرة من المجتمع لا علاقة لها بالثورة و لم تشارك بها في الاغلب الاعم و إن تعاطفت معها و لكنها تضررت من توقف المصانع للاضرابات المختلفة و ركود السياحة و اغلاق البورصة ؛ احس هؤلاء أن اسهل طريق لعودة الحياة الى طبيعتها و دوران عجلة الانتاج هي عن طريق التصويت ب"نعم" و هذا جزء كبير (50-60%) و يتوزع على اغلب قطاعات و محافظات الدولة. و هناك من اخذ الامور على محمل ديني و هم السلفيون و من يسمع لهم من البسطاء في الاحياء الشعبية و المحافظات؛و هؤلاء انساقوا خلف فكرة أن التصويت ب"نعم" هو الوسيلة لحماية على الاسلاممن هجمات المتربصين به عن طريق الحفاظ على المادة الثانية من الدستور و ذلك لكون "نعم" تبقي على دستور 1971 و للأسف ساعد في ذلك التصرفات غير المسئولة من العديد من القيادات الدينية (مثل اعلان الاهرام الاربعاء الماضي!!) و ساهم في ترويج هذه الفكرة من لهم مصلحة من الفصائل المسيسة بمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" بالرغم من علمهم بتهافت هذا الطرح لكون الدستور سوف يتغير سواء قلنا نعم او لا و المسلمون اغلبية و لن يوافقوا على اي طرح من هذا النوع على الاطلاق و هؤلاء في حدود المتبقي 10-20% فقط لا غير.
ويظهر من ذلك ان معظم من قالوا "نعم" هم ممن لا ينتمون للاخوان او السلفيين؛ أي انهم من الحزب الوطني و الاحزاب الأخرى مع العديد من فئات الشعب (مسلمون و مسيحون) ممن يسعون للاستقرار و يخافون من ضبابية المشهد بعد "لا" و الدليل على ذلك ان د. يحيى الجمل من مؤيدي التعديلات و لا يوجد له توجه ديني اخواني او سلفي و كذلك مجموعة من اليساريين و عدد غير قليل من الاقباط أيدوا الاستقرار و "نعم".

اما من أيدوا "لا" فقد فعلوا ذلك من وجهات نظر أخرى و لها وجاهتها و بعدها الوطني و ليس منها البعد ال"لا ديني" كما يدعي البعض.يرى بعض شباب الثورة ان الدستور قد سقط و يتعين عمل دستور جديد لمرحلة جديدة عملاً بمبدأ "انسف حمامك القديم" و انهم يحتاجون الى وقت لمقارعة التنظيمات السابقة في النزول للشارع لعمل قاعدة عريضة تمكنهم من الحشد الجماهيري و الوصول للاقاليم؛ كذلك هناك المسيحيون الذين تخوفوا من خروج "الزمر اخوان" من السجن ليعلنوا عن فرض الجزية و العودة لعصر ما قبل الجاهلية و لهم الحق في تخوفهم فهم اقلية و الاقليات لها طريقة في التفكير يجب مراعاتها دائماً. و هناك من ايد "لا" من باب اغلاق الطريق امام المد الديني الذي بشر و لمح به اذناب النظام البائد من الاعلاميين ال"نص لبة" الباقين في اماكنهم و يحاولون الحفاظ عليها بأي ثمن حتى لو كان ذلك على اشلاء الضحايا من الفتن التي يروجون لها عن قصد لا يخفى على العديد من المصريين الواعيين.

اذاً لماذا أخطئ الفريقين سواء من فرح بانتصاره المحتمل ب"نعم" أو من حزن لخسارة "لا" للرهان؟ هذه هي اسبابي لقول ذلك:
• النتيجة من الاجابتين واحدة باعتراف اللواء ممدوح شاهين يوم الخميس في مداخلة على اون تي في : "سوف يكون هناك اعلان دستوري يحدد ملامح المرحلة القادمة سواء تمت الاجابة بنعم او لا و لا علاقة لأي منهما بالاستقرار" اي ان اي نتيجة تعلن سوف تسقط دستور 1971 بمادته الثانية و اجراءاته المعترض عليها و ستحدد ملامح المرحلة القادمة عن طريق اعلان دستوري جديد. الفرق هو في تسلسل الاجراءات الذي نتفق و نختلف فيه و هكذا الديموقراطية : نتفق على رفعة الوطن و نختلف في الآليات و المناهج و الاساليب.
• من تخوف او تمنى ان "نعم" ستؤدي الى تغول الاسلاميين مخطئ لأنهم كما وضحت سابقا لم يكونوا هم محور الأحداث و لكن هاجس الاستقرار و الأمن الذي وقر في وجدان المصريين انه يتحقق بسرعة انتخاب رئيس للدولة يُسَّيِر عجلة الانتاج (و التي لن تسير الا بتوجيهات السيد الرئيس!!) كان الدافع الرئيسي وراء تصويت العديدين ب"نعم".
• بعد خروج اكثر من 20 مليون مصري للاستفتاء في مشهد جلل و ايجابية ليس لها مثيل في اعتى الديمقراطيات في العالم؛ يخطئ من يظن انه يمكن ان يفرض رأيه او يتلاعب بالجماهير المصرية كما كان يحدث من قبل.
إننا الآن في فترة نقاهة من مرض عضال تخلصنا منه بعملية جراحية كبرى و قد يستتبع الجراحة بعض الآلام و الافرازات من الجرح حتى يلتئم, و لذلك فأن ما يحدث من تخوف لدى البعض من أن يقفز طرف على الثورة و يحولها لصالحه ؛ او أن تطفو بعض الاحداث لتعكر علينا فرحتنا بالثورة و مكتسباتها , هو شئ متوقع و طبيعي ان يحدث و يجب علينا ان ننتبه لذلك حتى نعالج هذه الاعراض و نساهم في سرعة تخليص جسد الوطن منها و هذا هو الواجب علينا الآن.

د.محمد محمود خفاجي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قال عمر المختار:

انني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الايمان اقوى من كل سلاح.