"إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم" — الشيخ الامام محمد الغزالي

المسئولية و الوعي ...... و غزوة الصناديق



بادئ ذي بدء اوضح انني لا اهاجم من قال "نعم" من خلال رؤية سياسية و فهم و اختيار و اقتناع فهؤلاء لهم مني الاحترام و التقدير و ان كنت اري ان نسبتهم من مجموع الناخبين في حدود 40 % يمثلون مع من قالوا "لا"  حوالي 60% من الناخبين و هم واعون بأن سواء جاءت الاجابة ب"نعم" او "لا" فانه بمجرد اعلان النتيجة يبدأ العمل الثوري الحقيقي لبناء الوعي و الدولة المصرية الديمقراطية و انتشالها من احضان الفساد الذي نزل بها الى اسفل سافلين


ولكن بعد تصوير  اكتساح "نعم" على انه بفضل المجاهدين في غزوة الصناديق و جحافل الاستقرار حدث الآتي:
  • مقالات عن سقوط الشرعية عن ميدان التحرير و الثورة (اللي سقطت بمجموع 22.8% امام مطالب الاستقرار اللي جابت مجموع 77.2%)و بالتالي عدم شرعية حكومة الثورة بقيادة عصام شرف.
  • دعوى قضائية لعودة مبارك بحجة عدم دستورية الثورة التي قامت ضد رئيس شرعي منتخب لم يكمل مدته القانونية.
  • دعوة أخرى بعدم دستورية محاكمات الفاسدين لتعطل الدستور من قبل المجلس الاعلى غير الشرعي و تعطل القوانين المختلفة مع تعطل الدستور.
  • جمال مبارك يجتمع علناً بعاطف عبيد بنادي رجال الاعمال و تظهر عليه علامات السرور و الانشراح.
  • عودة مؤيدي مبارك للظهور و الاشتباك مع المعارضين له (لسه بيقولوا "مؤيدوا مبارك" لحد النهاردة) امام محكمة عابدين ومجلس الوزراء و يطالبون بعودته.
  • امناء الشرطة يتظاهرون ضد منصور العيسوي (من انظف من جاؤا لوزارة الداخلية بشهادة ظباط شرطة شرفاء) و يطالبون بعودة محمود وجدي (اللي كان بيطبطب عليهم).
ما تفسير ذلك؟




التفسير انه ثبت لمن لم تكن الثورة على هواهم ان رهانهم على نقص الوعي لدى الشعب المصري لازال فعالاً و انهم لازالوا يستطيعون تحريك جموعه للمسارات التي يريدونها و ان كانت مهمتهم اصبحت اصعب من ذي قبل.


انني استنكر ان يقوم اي شخص بالتصويت على مسألة مصيرية و علامة فارقة في تاريخ مصر دونما وعي حقيقي بابعاد الاستفتاء و تبعاته و نتائجه المتوقعة. ان الصوت هو مسئولية كبرى لأنه قد يأتي باختيار ربما يغير مسار الدولة. ان الشعب الالماني لازال يعاني من وصمة اختيار النازيين في الثلاثينيات من القرن الماضي حيث كان النازيون بقيادة أدولف هتلر الخطيب المفوه و الزعيم العبقري عبقرية شريرة مدمرة ادت الى تدمير العالم و تقسيمه و اودت بحياة الملايين و مازلنا نعاني نحن العرب من تبعات افعال هتلر الى الآن متمثلة في دولة الاحتلال العنصرية التي بدأت محاولات زرعها من قبل الحرب العالمية الاولى و لكن افعال هتلر و عنصريته عجلت باقامة هذا الكيان الذي ما لبث ان مارس معنا اساليب ربما يندى لها جبين استاذهم هتلر عن فعلها. لقد اختار الالمان هتلر و حزبه "الاشتراكي القومي" عن طريق انتخابات حرة نزيهة تحت تأثير اساليب الدعاية الرهيبة لساعد هتلر الايمن "جوبلز" و هي اساليب هدفها الرئيسي التغييب و الحشد الجماهيري الموجه باستخدام النعرات القومية و الدينية التي تلعب على عواطف الناس و معتقداتهم دون ان تخاطب العقول و تقارع الافكار.


ان الحشد الذي تم في الاستفتاء المصري سواء من قبل الكنيسة او من شيوخ الاسلام غير مقبول على الاطلاق؛ حيث استخدم الجانبين في خطابهم الدين و حشروا ما لا علاقة له بالاستفتاء وهي المادة الثانية فصارت هي محور الحدث و تحول الاستفتاء من استفتاء على تعديلات دستورية "دنيوية" الى واجب شرعي و جهاد ديني , بل و صارت الموقعة تسمى تاريخيا ب"غزوة الصناديق" التي هُزِم فيها انصار الكفر و الالحاد و ترتب عليها وجوب مغادرتهم البلاد اذا لم يعجبهم الوضع.


ان مثل هذا الخطاب المضلل انما يلعب على جزء من المخ مسئول عن ردود الافعال العاطفية و البدائية وهو الجهاز الحوفي (Limbic system) وهو المسئول عن بعض ردود الافعال لعواطف مثل الخوف أو الفزع أو الاستفزاز او الفرح الشديد حيث يقوم هذا الجزء باتخاذ رد فعل و تحفيز الجسم للتعامل مع المتغيرات من حوله مما يساعد على سرعة التعامل مع هذه المواقف للحفاظ على النوع و تفعيل غريزة البقاء دون الرجوع لتعقيدات التفكير و التحليل المنطقي المرتبطة بالمراكز العليا بالمخ (القشرة المخية Cerebral Cortex). اذا استطاع الانسان ان يستخدم عقله للسيطرة على انفعالاته اللحظية ليتخذ القرار السليم دون تشويش من الجهاز الحوفي, ارتفع لديه ما يسمى بمعامل الذكاء العاطفي (Emotional Quotient, EQ) . اننا للاسف نوصف دائما اننا شعب عاطفي و لهذا الوصف دلالة و هي انخفاض معامل الذكاء العاطفي للمصريين مما يجعل من يتفهم هذه الحقيقة يراهن على تحريك الجماهير المصرية عن طريق الاستفزاز و الاستنفار او التخويف و الرعب و الفزع و لاحظ ان خطة النظام السابق لسحق المتظاهرين اعتمدت على هذه العناصر من ترويع و تخويف ومخاطبة عواطف و الحمدلله باءت جميعها بالفشل ؛ مما اصاب اذناب النظام السابق و فلول حزبه بالشك في ارتفاع وعي المصريين في غفلة منهم فاصبحت وسائلهم المحفوظة لا تجدي. اما ما حدث بالاستفتاء من استنفار بالكنيسة نتيجة الفزع من نموذج عبود الزمر الذي خرج ليعلن الخلافة و تأييد الاخوان المسلمين و رد الفعل الساذج من السلفية و الشيوخ بالاستنفار لنصرة الدين اعاد اليهم الثقة بأنه لازال هناك جموع كبيرة لم ترتقي بوعيها و تتحمل مسئولية الادلاء بصوتها كما يجب و هذه الجموع ستكون وسيلتهم للتغلب على الفئة المستنيرة الواعية ليعودوا لما كانوا فيه من فساد او على الأقل ليفلتوا بما معهم الآن و الناس مشغولة بالصغائر التي يغذونها بين حين و آخر.


انني اري من واجبنا النهوض بوعي الناس بهذه الاساليب و نرتقي بفهمهم لمناخ و الاعيب السياسة و نتأكد من تحملهم مسئولية التصويت ؛ فلا يجب ان نختار اجابة لمجرد النكاية في آخر او كرد فعل أهوج على تصرف غير مسئول من الآخر. ان هذه التجربة مليئة بالدروس المستفادة التي يجب ان نستوعبها و نتعامل معها. يجب ان يقوم شباب الثورة بواجبهم لتوعية الجماهير و تثقيفهم,و يجب ان تعاد صياغة مجموعة المواد الاجتماعية بالمدارس (تاريخ, جغرافيا و تربية قومية) لتتضمن شروح واضحة و غير منحازة لكافة التيارات و المفاهيم السياسية المختلفة حتى يعرف النشء التعريف الصحيح لعديد من المفاهبم بدلاً من ان تصبح الدولة المدنية من "دولة سيادة القانون" الى دولة ال"لا دين" و العلمانية مرادفا للكفر بدلاً من اسلوب تفكير و ادارة للدولة يضمن سيادة القانون (الذي من الممكن ان يكون مستمداً من الشريعة الدينية) و للعلم فأن تركيا دولة علمانية بالرغم من انها يحكمها التيار الاسلامي متمثل في اردوغان و حزبه وهي نموذج يحتذى به لم تتعارض فيه العلمانية مع الدين . و في النهاية اتمنى ان نعمل جميعا من اجل غد افضل لمصرنا و الله من وراء القصد ,و الله الموفق و المستعان.

د. محمد محمود خفاجي
الاربعاء 24 مارس 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قال عمر المختار:

انني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الايمان اقوى من كل سلاح.